محمد علي سلامة
106
منهج الفرقان في علوم القرآن
التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه اللّه ثم عند عمر حتى توفاه اللّه ثم عند حفصة » وقد ورد في رواية أخرى « مع خزيمة أو أبى خزيمة » . وقد علمت أن القرآن كان مكتوبا بأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب فالذي فعله أبو بكر وأمر به زيدا إنما هو نسخها من مكان إلى مكان ليكون مجتمعا ، فكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها القرآن منتشر فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شئ . . وقد اعتمد في ذلك على الرقاع وصدور الرجال الحفاظ الذين شاهدوا تلاوته من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فكان تزوير ما ليس منه مأمونا . وأخرج ابن أبي داود عن طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد « اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شئ من كتاب اللّه فاكتباه » رجاله ثقات مع انقطاعه ، وقد اختلف العلماء في المراد بالشاهدين فقال ابن حجر المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة ، وقال السخاوي المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن ، قال أبو شامة وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا من مجرد الحفظ قال : ولذلك قال في آخر سورة التوبة لم أجدها مكتوبة مع غيره لأنه كان لا يكتفى بالحفظ دون الكتابة ، وبهذا تعلم أنهم بالغوا في التوثق في كتابة القرآن فلم يقبلوه إلا من المصدرين معا وهما الحفظ والكتابة بين يدي الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . « والسبب الباعث على الجمع في عهد أبى بكر » يعلم من الرواية السابقة وهو خوف ضياع شئ من القرآن وقد صرح بذلك في قوله « وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن » أي فيضيع كثير من القرآن بموت الحفاظ وقد يكون عند أحدهم شئ من المكتوب يضيع بموته : وقد علمت أن المصدرين المعول عليهما في جمع القرآن هما الحفظ والكتابة ولهذا كانت العناية شديدة بحفظ الصحف التي كتبها زيد بن ثابت لتكون مرجعا عند الحاجة فكان موضعها عند الخليفة الأول أبى بكر ثم عند الخليفة الثاني عمر ثم عند حفصة أم المؤمنين إلى أن طلبها منها عثمان الخليفة الثالث عند الجمع الثالث كما يأتي .